إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 4 ديسمبر 2011

الأحاديث الموضوعة في يوم عاشوراء

الأحاديث الموضوعة في يوم عاشوراء
 
ليس هناك من شك في أن الوضَّاعين للأحاديث النبوية الشريفة والكاذبين على رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم كانوا سيئي القصد والنية.. ولذلك فقد جعلوا جُلَّ همِّهم أن يصرفوا الناس عن صحيح السُنَّة والعمل به إلى الأحاديث الموضوعة المكذوبة والعمل بها..
وهذا ما فعلوه بصدد يوم عاشوراء حيث صحَّت أحاديث في فضل صيامه فلم يُعجِب ذلك أهل الإفك والكذب والوضع.. فوضعوا أحاديث كثيرة عن يوم عاشوراء ليصرفوا الناس - بخبث ودهاء وسوء طوية - عن الصحيح الثابت من سُنَّة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.
ومع قلة علم الناس بالحديث النبوي الشريف وقِلَّة اطِّلاعهم على دواوين السنة شاعت الأحاديث الموضوعة والمكذوبة بين الناس وغاب عنهم الصحيح الثابت فقاتل الله الوضَّاعين الكذَّابين الأفَّاكين و( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ).
وقبل أن نسرد جملة من الأحاديث الموضوعة المكذوبة عن يوم عاشوراء يحسُنُ بنا أن نذكر طرفاً مما صحَّ ليعمل المسلمون به. وليكون لهم خير بديلٍ عن الموضوع والمكذوب.
ومما يعلم أن دواوين السنة المباركة قد أفردت أبواباً بخصوص صوم يوم عاشوراء، وعلى رأس هذه الدواوين الصحيحان، صحيحا البخاري و مسلم - رحمهما الله - حيث يمثلان أعلى درجات الصحة في الحديث النبوي الشريف.
ومما صحَّ بصدد يوم عاشوراء حديث أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنهما - ( أنَّ قريشاً كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيامه حتى فرض رمضان، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من شاء فليصمه ومن شاء أفطر ".
ومن ذلك حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: كان عاشوراء يصومه أهل الجاهلية فلما نزل رمضان قال: " من شاء صامه ومن شاء لم يصمه ".
وأيضاً حديث عبد الله بن عباس رضى الله عنهما قال: " قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأي اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: ما هذا قالوا هذا يوم صالح هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: فأنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه ".
ومن ذلك أيضاً حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال " ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم، يوم عاشوراء، وهذا الشهر يعني شهر رمضان ".
والأحاديث في ذلك كثيرة مبثوثة في دواوين السنة المباركة وكلها تحثُّ على فضل صوم يوم عاشوراء.. ولولا أن المقال خاصة عن الأحاديث الموضوعة بصدد هذا اليوم لأتينا على جملة مباركة من هذه الأحاديث الصحيحة.. ولكن من أرادا المزيد فعلية أن يطلبها في مظانِّها في دواوين السنة المباركة.
وأما عن الأحاديث الموضوعة والمكذوبة على رسولنا صلى الله عليه وسلم فهي كثيرة نذكر طرفاً منها لكي يحذرها إخواننا من المسلمين ولا يعملون بها، بل يجعلونها وراءهم ظهرياً وفيما صح وثبت غنية عما لم يصح ولم يثبت، ومن هذه الأحاديث ما يلي:
1- ( من وسَّع على عياله يوم عاشوراء وسَّع الله عليه سائر سنته ).. ومن الأثر السيئ لهذا الحديث وأمثاله أن بعض الناس تركوا صيام هذا اليوم وكان جلّ همهم في الطعام والشراب عملا بهذا الحديث المكذوب الموضوع.
2- ( من اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم يرمد أبداً ).
3- ( من أفطر عنده مؤمنٌ يوم عاشوراء فكأنما أفطر عنده جميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم ).
4- ( إن الصرد - وهو طائر - أول طائر صام يوم عاشوراء ).
5- ( إن الله افترض على بني إسرائيل صوم يوم في السنة، وهو يوم عاشوراء وهو اليوم العاشر من المحرم فصوموه ووسعوا على أهليكم فإنه اليوم الذي تاب الله على آدم وهو اليوم الذي رفع الله فيه إدريس مكاناً علياً ). والحديث طويل اكتفينا بأوله لدلالته على آخره.
6- ( من صام يوم عاشوراء أعطى ثواب عشرة آلاف ملك.. ومن صام يوم عاشوراء كتب الله له عبادة ستين سنه بصيامها وقيامها ومن صام يوم عاشوراء أعطي ثواب ألف حاج ومعتمر.. ). والحديث طويل وفيه ما لا يقبل من المبالغات والتهويل في الثواب وهذا مما يدل على وضعه وكذبه.
وللإمام ابن القيم - رحمه الله - قول طيب في هذا الصدد ذكره في كتابه (المنار المنيف في الصحيح والضعيف) ننقله بنصه لفائدته ولأنه يعد بمثابة الفصل فيما نحن بصدده حيث يقول:
( ومنها - أي من الأحاديث الموضوعة المكذوبة - أحاديث الاكتحال يوم عاشوراء والتزين والتوسعة والصلاة فيه وغير ذلك من فضائل لا يصح منها شيء ولا حديث واحد ولا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه شيء غير أحاديث صيامه وما عداها فباطل و أمثَلُ ما فيها ( من وسَّع على عياله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته ).
قال الإمام أحمد: لا يصح هذا الحديث، وأما حديث الاكتحال والإدِّهان والتطيُّب فمِن وضع الكذابين، وقابلهم آخرون فاتخذوه يوم تألم وحزن، والطائفتان مبتدعتان خارجتان عن السنة.
وأهل السنة يفعلون فيه ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الصوم ويجتنبون ما أمر به الشيطان من البدع.. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمة الله - في كتابه الفذ ( اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) كلاماً نفيساً منه أنه قال:
وأحدث بعض الناس فيه ( يوم عاشوراء ) أشياء مستنده إلى أحاديث موضوعة لا أصل لها مثل: فضل الاغتسال فيه أو التكحل أو المصافحة وهذه الأشياء ونحوها من الأمور المبتدعة كلها مكروهة وإنما المستحب صومه.
ويوضح شيخ الإسلام بجلاء سبب وضع هذه الأحاديث واتخاذها ديناً فيضيف: ( وقد روي في التوسع فيه على العيال آثار معروفة أعلى ما فيها حديث إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه قال: بلغنا أنه من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته ) رواه عنه ابن عيينه.
وهذا بلاغ منقطع لا يعرف قائله والأشبه أن هذا وُضِع لما ظهرت العصبية بين الناصبة والرافضة.. فإن هؤلاء أعدُّوا يوم عاشوراء مأتماً فوضع أولئك فيه آثاراً تقتضي التوسع فيه واتخاذه عيداً.
وكلاهما باطل ثم يضيف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله كلاماً طيباً نفيساً فيقول: ( وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " سيكون في ثقيف كذابٌ ومبير " فكان الكذاب: المختار بن أبي عبيد وكان يتشيع وينتصر للحسين ثم أظهر الكذب والافتراء على الله.
وكان فيها الحجاج بن يوسف وكان فيه انحراف على علي وشيعته وكان مبيراً وهؤلاء فيهم بدع وضلال وأولئك فيهم بدع وضلال وإن كانت الشيعة أكثر كذباٌ وأسواُ حالاً..
لكن لا يجوز لأحدٍ أن يغيِّر شيئاً من الشريعة لأجل أحد وإظهار الفرح والسرور يوم عاشوراء وتوسع النفقات فيه هو من البدع المحدثة المقابلة للرافضة وقد وضعت في ذلك أحاديث مكذوبة في فضائل ما يصنه فيه من الاغتسال والاكتحال وغير ذلك ) انتهى بنصه.
وبعد: فليس أمام المسلم الصادق إلا أن يعمل بما صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يسعه ترك ذلك للعمل بالأحاديث الموضوعة والمكذوبة المفتراة على نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم..
وليعلم القارئ الكريم أني لم أذكر كل ما صحَّ في يوم عاشوراء ولم أُلزِم نفسي بذلك وكذلك لم أذكر كل ما لم يصح ولم ألزم نفسي بذلك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.